الـوطـن الذى ( لا ) نسـكنه!؟
(الوطن الذى يسكننا).. تعبير ووصف بليغ ورائع فعلاً.. ظهـر علينا به أوائل هذا العام, الدكتور محمد المفتى, فى إحدى إطلالاته المميزة.. ببلاغته, و بدون مبالغة, من أي نوعٍ, كعادته.
هذا التعبيرالبسيط والكبير فى معناه.. أجده, وكأنه جاء مكمّلاً لقول الشاعر خالد درويش :
" بلادٌ تُحبها, وتزدريك؟ ".. وإن كان المفتى أكثرمن درويش, حناناً فى عتابه لوطنه.. الغالى..
الذى يخاف عليه, مثله مثلنا, أكثر من خوفه على نفسه.. ولو, من نسمة الغروب.
هذا ما استنتجته, على الأقل.. إذّ, كان وقعها عليّ, كوضع الطبيب المفتى ببلسمه على الجرح, ليخفف قليلاً من شدة ألم الفراق المرّ.. لأن فراق الوطن, هو الجرح الأعمق.. فهو يؤلم البدن والقلب والعقل والروح, وكافة الأطراف, وكافة المشاعر والأحاسيس, دفعة واحدة..
والألم يزداد مع ذلك رغم البلسم..
ولأنّ ليبيا هى فعلاً التى تسكننى, مثلكم, على مدار الساعة والثانية, فهى تحتلنا جميعاً وتسكننا..
مهما نفينا وادعينا عكس ذلك..
ولأننا فعلاً, لا نسكنها حالياً, كوطن.. كما تسكن بقية شعوب الأمم الأخرى, أوطانها..
مهما ادعوا حكامنا, عكس ذلك.
أنا لا أتحدث هنا عمن هم مثلى, من أهل المنفى الإجبارى.. أو أهل المهجر الخياري..
أنا أتحدث عن ذلك الليبي, وتلك الليبية, اللذان ربما لم يفارقا ليبيا على الإطلاق..
ولو للحظة واحدة..
ومع ذلك, فهم فى منفى, ومنفى موحش, مثل المشرد مثلى تماماً.. فهم مشردون وتائهون, تماماً.. وهم يبحثون بقلق وشوق.. عن ليبياهم, وهم من فوق ثراها, لكيّ يسكنوا من جديد, فى حضنها الدافئ الحنون.
وطنٌ أصبح حتى من يسكنه بجسده.. حاله كحال أهل المنفى والمهجر.. يجد أنّ الوطن يسكنه, وهو لا يستطيع أن يسكن الوطن!
وطن لا نملك حيال مجده ومستقبله.. لا صنعاً ولا عملاً.. ولا قولاً,,, وهو أضعف الإيمان.
وطنٌ, وجدنا أنفسنا بداخله وبخارجه, خارجه تماماً.. على مقاعد المتفرجين!.. أمامية أو خلفية, لا يهم,
ولكننا سواسية, على كراسى عزاء بلاستيكية.. وكأننا نشارك فى مأتمنا الجماعى؟
متفرجون, كالموتى.. لا حيل لنا ولا قوّة.. ولا صوت.. ولا رأي من أي نوعٍ كان!..
وكأننا أصبحنا فى خبر كان والآن!.. ونحن أحياء نرزق, ولعلّ زيت ودقيق الجمعيات, خير دليل على أننا أحياء.. ولسنا بأموات يا سادة.. ومع ذلك قُرأتم علينا الفاتحة.. وواريتونا التراب.. وكأننا الذباب.. بتشريعاتكم ومحرماتكم ومخابراتكم, ومثاباتكم وخطوطكم الحمراء..
كأننا هوامش دونية لا قيمة لنا ولا والى؟,,,,
وأرثتوا كلّ هذا الوطن وما عليه.. وخصوصاً.. ما تحته من خيرات!.. أما نحن فلنا البحر.. لنشرب منه أو نغرق فيه.. هذا إذا سمحتم لنا بأنّ نغرق بدون خطوط حمراء؟
يا سادة, يا من خطفتم منّا هذا الوطن, فجر ذات يومٍ كنّا فيه فعلاً سادة : إنتبهوا!
فالأوطان ليست بعقارات تُملّك وتُورّث من بعدكم, والمواطنون, ليسوا بقطيع أبله, سيرضى طويلاً بأن يقاد بقرارات.. خلف شعارات, خلف ديكورات.. خلفها الرشاشات..
فكما قلتم أنتم مراراً:
(بأنّ الجهل سينتهى, عندما يقدّم كلّ شئ على حقيقته).. انظروا الآن من (حولكم)؟..
فها هى ثورة المعلومات – الثورة المباركة فعلاً - والتى لا يمكن لكم اعتقالها أو حبسها أو تعذيبها أو شنقها من قبل مؤسساتكم – المتعددة - الأمنية – والأميّة - الشرسة..
فبرغم فيالق البصاصين, والكذابين, والأفاقين من الثوريين والعيّاشة من حول معسكراتكم وحول أسواركم البابلية المضادة للدبابات!.. هاهى (ثورة المعلومات).. التى لا سلاح لها ولا إقامة لها.. ولا إذن لها أو جواز لها ولا هوية تحتاجها.. ولا مآرب ولا أقارب أو قبيلة لها..





























