طابور الجـنّـة!

كتبهاعبدالنبى أبوسيف ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 14:14 م

 

سبق لى نشر هذه القصة الصغيرة.. على صفحات ( ليبيا وطننا ) فى 21 أبريل 2004م.. أحببت إعادة نشرها ها هنا..

وفاءاً لسجين رأي ليبيا.. وسجين من اختبر إن كانت المؤتمرات الشعبية.. هي منبراً ديمقراطياً  حقيقياً - آمنا لليبيينً!؟ -..

لقد جاسر هذا الفارس الليبي الشجاع بحريته.. حتّى يُثبت.. أنّ لا حرية لمن لا حرية له من الأساس..

أثبتها, نيابة عن الشعب الليبي, وعلى الملأ.

          ورغم سنين الحبس.. لا يزال هذا المهندس..  ينتظر من (هذا)  الشعب " السيّد "..

 أن يستيقض من سباته.. أو, أن يحاول نزع رداءهذا الخوف عنه..   

فيهزم رعبه ورعب غيره - المُبالغ فيه!- أكثر من اللزوم..

 ولهذا  يظلّ, هذا  المهندس, الجهمى, الليبي, العملاق.. هو وحده  من  يدفع الغرامة الكبرى.. على حساب سعادته..

وسعادة أسرته الضحيّة.. نياية عنّا جميعاً!

         

               

                 

             طابـور الجـنّـة   
                       حلم ليلـة فى بدايـة صيـف(*)
 
 هكذا وبدون مقدمات.. وجدت نفسى واقفاً فى طابور الجنّـة! - أو هكذا خيّل لى -.
وعليه، لابدّ وأننى قد مـتّ، وانتقلت إلى رحمة الله تعالى.
بحثت أمامى وخلفى فى ذلك الطابور الطويل عن أيّ وجه أعرفه. بحثت عن وجه والدتى الحنون ووجه والدى الواثق المُطمئن، وبحثت عن وجه شقيقى الأصغر الراحل منصور الذى طال اشتياقى إليه.
 
بحثت عن عمى محمد (التايب بو ياسين)  شقيق والدى.. ذلك الشيخ الصوفىّ التقىّ  والشاعر الكبير..  فتذكرت له ( بعض ) الأبيات من احدى قصائده وهو يحدّث النفس .. وهى قطعاً كانت تحسباً ليوم مثل هذا اليوم..
إذ قال محذراً  من التهاون مع  النفس:
 
        النفس دولـها خـلها اتجى ع اللومه 
           إن ما دلتها تشقيك، راهى شومه
       
     النفس احجرها
على شي واجد، ردّها وانزرها
         ورجلك على باب الفساد إقصرها
        وكيف تلفظ الكلمة, وما اتقدّرها
        تسير زاله، والـزّاله, امعدومه
       
وراه الجديد بنورته, للشرهه
       وكيف تبهته, فى البيع يشوى سومه
       ورا الريح ما تهمد.. إلاَ بمطرها
       ورا العين ما تنظر, وهى مغمومه
     
واللى تنـكسر، تشقيك واتجبّرها
      واللى اتريح.. تتركها بغير خصومه
     واللى نصب الهرجه, وخشّ بحرها
     ايجـنّا اوقات, ايودّره ديمومه
    
وفيه ناس, فتّانه قصـير نظرها
     وهى تـفرتك العصبه, اللى ملمومه
     ياما عزل..  مامن  اصحاب خبرها
     وياما ثوى..  مامن  جيوش حكومه
   
نار شايطه.. ويندم اللى كابرها
    يوم القيامة صيفته مصدومه
 
                    *****
 
 تابعت بحثى فى وجوه الواقفين من حولى.. بحثت جاداً عن وجه جارنا فى البركة سى الطاهر المهدوى.. ذلك الشيخ البسيط, الذى كان يهرع والدى لاستقباله كلما حلّ علينا زائراً..
حتى ولو زارنا يومياً!..
 لقد  أقسم لى العديد من حجيج حى البركة فى أوائل الستينات، بأنهم يرونه "كل عام" عند "عرفه".. فوق جبل عرفات.. 
بل, ويتحدث البعض معه، هكذا حدّثونى.. رغم أنه لم يحجّ أبداً.. ولم يملك جواز سفر فى حياته..
 لقد كان باستطاعة سى الطاهر, مثلاً, أن يتحدث -  وحديثه دائماً قليل مفيد ومختصر - دون أن يتوقف لسانه بتاتاً.. عن ذكر الله.. الله, الله.
 كنت أراهن شقيقى محمود, فى صغرنا، بأن سى الطاهر لابد وأنه يحمل مسجلاً فى جيبه، يقول: الله الله الله دون شك..
فكيف إذن,  كان بإمكان سى الطاهر أن يشرب ويأكل ويتحدث، دون أن يتوقف لسانه لحظة واحدة, عن ذكر الله؟  
كم أتمنّى الآن أن أرى سى الطاهر فى هذا الطابور ليطئن قلبى.
وتابعت تفحّصى للطابور, للمرة العشرين.. علىّ أرى وجهاً مباركاً واحداً أعرفه، حتى عن طريق الصور.. بحثت عن سيدى إدريس.. وعن الشيخ متولى شعراوى, وكل من حاولت تذكرهم من الأتقياء والطيبين.. حاولت كل من اعتقدت جازماً بأنه من أهل الجنة..
ومع ذلك.. لم أجد وجهاً, واحدا, صالحاًً.. أعرفه.
 
شعرت بجاراً لى, فى الطابور, يراقبنى باهتمام، وعلى شفتيه ابتسامة لا تفارقهما..
فحييته بأدب يليق بشيخ فى مقامه.. غير أننى فوجئت بملامحه الصينية أو المنغولية أو الاندونيسية، لا أعرفها الآن,  بالتحديد، فلم أستطع فى حياتى.. أبداً التمييز بين هذه الأجناس والأعراق الآسيوية.. وانتابنى حيال رؤيته.. بعض الشك والقلق من جديد، فهل أنا فى طابور الجنة…..  أم فى الطابور الآخر والعياذ بالله؟..
 غير أننى استدركت أنّ ثلثى أمة الإسلام تقريباً, هم من قارة آسيا، وملامح الأسيويين عامة، وعلى هكذا شكل..
 ثم لا تنسى - قلت معاتباً نفسى - بأن لا فرق بين عربى أو عجمى إلاّ بالتقوى فى ديننا السمح يا أخى.. وخصوصاً وانت هنا.. على أبواب الجنّة!
بادرت جارى, العجوزو بالقول: " مرحباً بالشيخ الكريم ". فأجاب بابتسامة, أصدق وأكبر,:
أنا لست شيخا من أيّ نوعً.. أنا اسمى " شُـو"..  فقط.
 ثم تابع مبتسماً: " وانت, شو اسمك؟ " فقلت له:  عبدالنبى.. أو عبد ربّ النبى.. وهذا هو الأصح.. وخصوصاً ونحن فى هذه الظروف، وبالذات, فى طابور الجنة.
فقال العم " شو" ببساطة:  أىّ جنة؟
لكننى تابعت:   والدى.. هو من  اضطر لتسميتى هكذا، على إسم أخيه الذى توفّى قبل مولدى بعدة أشهر.. لقد اعتذر لى والدى بعدها - وأنا دون العشرينات -  عن هذا الأسم وعن عاداتنا السقيمة.. وحيث التسمية التى لا لازمة لها.
قال لى والدى.. أنه يمكننى أغيرإسمى, إن أردت.. فقلت له بأننى فخور بعمى وممنون له، لأنه, أسمانى بإسم أحد إخوته الأعزاء..
غير أننى.. لم أبلغ والدى وقتها.. بأننى منذ طفولتى، تمنيت بأن يكون إسمى " صلاح الدين"  ذلك القائد الكردى والمسلم المغوار.. الذى قهر ريتشارد, قلب الأسد..
وهزم الصليبيين.. وحرّر القدس.
 فقال العم " شو" :  أىّ قدس؟
  
بدأت - بالفعل - تزعجنى كثيراً, أجابات العم "شو" المقتضبة, وأسئلته الغريبة، فى الوقت الذى لا ندرى نحن فيه, الى أين ستحط بنا نهاية هذا الطابور.
قلت للعم " شو": أن هذا الطابور بطئ جداً ولا يكاد يتحرك.. ومع ذلك الناس فى هدوء وسكينة.. فلماذا يا ترى؟!
فأجاب بصوت أشبه بالهمس.. كأنه يخشى أن يسمعنا أحد:
         
         " أنسوا الكرى واستعذبوا الأحلاما      حـرّك  لعـلّـك توقـظ النوّامـا " 
 
سألته بغبطة:  أنت تعرف "رفيق"  شاعر الوطن؟
فأجاب :  أىّ وطن؟
ثم أشار بيده وقال:  أنظر لذاك الرجل الأنيق المار هناك، إنه يمشى متباهياً كما يمشى الديك فى الحقل.
أجبتهه: ياللعجب!! إنه شكسبير.. أعنى الشيخ زبير.. واندفعت نحوه منادياً :  يا شيخ .. ياشيخ زبير!
فالتفت الرجل نحوى باستغراب وفضول وقال:
   pray, what dost thou speak of, my poor fellow?
وهنا سألنى العم " شو" بإلحاح عنما قاله الرجل، فأجبته: أنه قال لى أيها مسكين عن ماذا تتحدث.
ثم وجهت حديثى للشيخ زبير, بلسانه هذه المرة :
you are sheik Zubair, are you not?
فأجاب مبتسماً: 
to be or not to be, that is the question.
أكون أو لا أكون.. هذا هو السؤال.. ترجمت, جوابه للعم"شو" قبل أن يسأل
أخرج الشيخ زبير من جيبه "نوته" دوّن بها بعض الكلمات.. ثم انطلق متجاوزاً كل من فى الطابور، من دون أن يحتج أو يعترض طريقه أحد. فقلت فى نفسى، حتى فى طابور الجنة.. فيه ناس دون ناس؟!
وإذا بشخص آخر خلفنا يقول بصوت جهور:
 
ask not what your country can do for you, but ask what you can do for your country?
وانطلق هو الآخر, فى اتجاه المقدمة دون مراعاة للطابور.
وحينها سألنى العم "شو":  من يكون هذا الرجل وما الذى قاله؟
 فأجبته:  إنه جون كيندى، رئيس أمريكا الشهير.. وما قد قاله هو : لا تسألوا ما الذى سيفعله وطنكم من أجلكم، وإنما اسألوا أنفسكم، ما الذى تستطيعون فعله من أجل الوطن؟.
فقال العم " شو": " آخ, لقد تذكرته.. إنه زوج جاكلين، والرجل الذى انتحرت من أجله مارلين مونرو.. فياله من رجل عاش, حياته طولاً وعرضاً.. رئيساً لأكبر دولة فى العالم.. ورفيق أجمل نسائه.
سألته بخبث : " أىّ نساء؟"
ضحك العم " شو " حتى سقطت طاقيته المزركشة.
وعلى ذكر النساء، لاحظت أن عدد النساء فى الطابور مساوٍ أو يزيد عن عدد الرجال، وبالتالى فالجنة ليست مقصورة على الرجال فقط كما يتوهم البعض.. ثم أخذنى فكرى فى تلهّفٍ وشوق، ناحية حوريات الجنة وتلك الأنهار وطيبات النعيم.
غير أن خاطرة أخرى أبعدت أحلام يقظتى هذه بسؤال مقلق بادرت به العم "شو" على الفور : ما الذى أتى بـ كيندى الى طابور الجنة؟!
فأجاب:  أىّ جنة.. وأى نار يا هذا؟.. إنك ترهق نفسك بتساؤلات غريبة.. شوف يا إبنى، الجنة الحقيقية, هى أن يحقق المرء فى دنياه، معظم أحلامه.. والنار, هى أن يموت المرء فى دنياه وهو يحلم فقط بالجنة.. هكذا بكل بساطة. إنها حكمة قديمة جداً.. منغولية، صينية، أمازيغية، برعصية، لا أتذكر مصدرها الآن. 
 
فقلت بفزع للعم "شو" : استغفر الله يا عم "شو".. شو هالكلام، إتقى الله أيها الشيخ.. فلا مرجع من الله إلاّ إليه.".
 والتفت حولى, عسى أن لا يكون هناك واشٍ ما قد سمع كلامه.. وأيقنت على التو، بأن طابورأً فيه العم "شو"هذا.. سوف لا ينتهى على مداخل الجنة بأىّ حال من الأحوال..
اجتاحنى القنوط والإحباط.. بل اليأس التام.
وفجأةً.. سمعت أحداً  من خلفى يقول :  أنت أخ محمد أبوسيف، أليس كذلك؟.. استدرت نحوه فرحاً متفائلاً : ياإلهى.. وانت المهندس فتحى الجهمى أليس كذلك؟ فلقد رأيت صورتك مراراً فى موقع " ليبيا وطننا "..
ولكن كيف عرفتنى يا سيد فتحى بين كل هذه الجموع؟ .
فقال:  لقد شبّهتك على أخوك محمد، فقد كنا زملاء دراسة لفترات طويلة، بدأت من مدرسة الأمير الى الثانوية القديمة بجانب مفوضية الكشافة ونادى الهلال القديم.
 
أخذته بالحضن وقبّلت صلعة رأسه من فرط غبطتى.. فابتسم وقال:  هيّا بنا قبل أن يفوتنا القطار. 
 فصاح من خلفنا العم "شو" :  أىّ قطار؟.. ودّعت العم " شو" بحرارة  وانطلقنا فى إتجاه المقدمة.
سألته وأنا أحاول اللحاق به:  قل لى يا باشمهندس.. لم أكن أعلم بأننا قد متنا سوياً؟ "
عندها ضحك المهندس عالياً حتى توقف عن السير..
ثم أجابنى.. وعلى وجهه مسحة من الجدية والحزم: لا, لا يا أخى.. إننا لم نـمت بعد!
                  
  ( انتهت)     
          
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “طابور الجـنّـة!”

  1. بحق هى قصة لها معانى ورموز, صغيرة ولكنها كبيرة, أحسنت ومزيداً من هذه الكتابة السلسة, فلقد مللنا النحيب على وطننا الحبيب.

  2. أشكرك أخى على كلماتك الكريمة وأأسف على التأخير بالرد.. جزاك الله خيراً



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

ما زلت له مشتاق.. ( الوطن) هزّنى فرقاه مالاعماق..

وسادل وراه  اسدال ما ينطاق.. استار ياس.. ما يجدى معاه  رجا..

مع تحياتى للشاعر الكبير على الساعدى الفاخرى.. لإستعارة هذا البيت واستبدال (الوطن) بدل (اللى)..

فليغفر لى.

 



مازلت نا هو نا