أيـهـا السـاهر تـغـفـو

كتبهاعبدالنبى أبوسيف ، في 20 أكتوبر 2007 الساعة: 06:40 ص

 

أعيد نشر هذه المقالة.. التى سبق ونشرتها على صفحات موقع " ليبيا وطننا " على جزئين.. يومي 10 و 16 سبتمبر 2003 مع بعض التصحيح والتعديلات البسيطة.. ولأنّ حال الصحافة العربية عموماً.. والليبية خصوصاً.. لم يتبدل بشأنها شيئاً جديداً.. فلا تزال كما هى (صحافة مولى المول.. واللى موش عاجبه.. يشرب من البحر).

                   أيّها السـاهر تـغفو!..

     وقـفة تـمعّن فى حـال الإعـلام الـعربى الرسـمي

 

الإنسان العربي.. أو.. ذلك الإنسان الذى يتخذ من العربية لـساناً له.. حتى لا يحتج كلّ منّ لديه  حساسية من " العروبية".. مثلى!

هذا الإنسان, الذى يعانى فى الوقت الراهن من " تـخمـة" مـعلوماتيةٍ مذهلة.. ربما, هى السبب الأول, فى ازدياد وزنه, ووزن خـموله الـحسّى والذهـنى والـوطنى.. فأصبح - هكذا! -  بلا حراك.. أو, رد فـعل من أي نوعٍ كان.. أصبح خـامداً.. جامداً.. صامتاً.. متبلداً.. ومسطولاً.. وبيده ريموت كونترول!.. والأخطر من كلّ ذلك.. هو عـدم إكتراثه, حالياً.. بما يـجرى.. أو ما يمكن أن يجرى من حوله.. ولو كان.. خارج باب داره!

تصوّروا؟.. إلى هذا الـحد.. كفر هذا الإنسان.. بأي شأن إنساني آخر!..

فلم يعد يهـمه.. حتّى تراب وطنه.. ولا حريات وطنه.. ولا شرف ولا كرامة أمـته!..

لم يعد يهمه, إلاّ ما احتوته داره.. من " مخلوقات" ومأكولات..ومـقتنيات.. ومدخرات!..

هكذا, تـقوّقع هذا المسكين فى "كـهفه".. وارتـّد ألـفيّاتاً من الزمن.. رجع, لاجئاً إلى كـهوف أجداده مباشرة.. لزمن ما بـعد الطوفان.. وصاح ساخطاً - فى سرّه طبعاً - :

" أنـا.. ومن بـعدى الطوفان"!

ولـعل من أهم أسباب هذه "الـرّدة".. وهذا الـتـقهقر الـخطير, فى سلوك الإنسان العربى.. وبعكس ما يـعتقد البعض.. هو, عبقريّة الإعلام العربي الرسمي!.. قبل غيره..

لقد عاش, هذا الإنسان المسكين - لسوء حظه - فى بلاد العرب.. أو الشرق الأوسط..

أو "الشرخ الأوسخ!".. إنّ أردت..

عاش يعاصر كذبة كبرى.. تلو كذبة أكبر منها..

ويجتر أسطورة من تاريخه.. تلو أسطورة أكذب منها..

حدث له كل ذلك.. وأكثر.. وطوال النصف الأخير من القرن المنفرط وأكثر..

بفضل إعلام دولته الرسمي المجيد ( بزاتو )..

فى الخمسينيات  لجأت أصحاب العقول النيّرة.. ومن باب الغيرة الوطنية.. والحرص على أوطانهم .. الى استراق السمع من اذاعات.. ومصادر أجنبية أخرى.. بحثاً عن الحقيقة..

إلاّ أن " صوت العرب "  الصنديد : أحمد سعيد!.. وفى ظل " ساحر دولى عملاق "..

من طراز: [ الـملـهمون الأوحدون] من الدرجة ممتازة!.. تمكن من أن يقنع الأغلبية الساحقة .. بأن هيئة الإذاعة البريطانية.. ومونتى كارلو.. وصردينيا.. وصوت أميركا..

أو أي صوت آخر.. غير صوت العرب الصادق الصدوق.. ما هى إلاّ أدوات استعمارية بحتة.. تحاول النيل من بطولات العرب.. وأمجاد العرب.. وأمجاد يا عرب أمجاد!..

وبما أننا نحن أمة.. اعتادت  أن تسمع ولا أنّ تقرأ!.. صدّق كلامهم من صدّق.. وشكّك من شكّك.. وطـنّش من طـنّش.. وعدّت الدنيا فى حالها.. طوال عقود وعقود من الزمن.

ولكن.. ومع نهاية القرن المنفرط المنصرم.. بدأ عـصر الفضائيات..

عـصر المـعلومات الـحرة.. وانتهى عصر الأكاذيب!؟  

وهكذا انـفكّ  " حصار الـجـهل " الرسمي للحكوماوت وإعلامها الـتعتيمى الإحتكارى.. وسقطت الأقنعة والواجهات الـهشّة.. وتـعرّت وجـوه الخـزّي والـعار فى بقاع الدنيا..

وذهل مواطن هذا الشرخ الأوسخ التعيس.. وأسقط فى يده..

إستيّقض, فإذا بــوطنه - الأصغر والأكبر - مـلعبة فى أيدى الآخرين

وإذا!.. بـحكامه وقادته الأبرار.. نصفهم.. مـضحكةً عند الآخرين!..

ونصفهم الآخر.. مـجرمون, وخارجون على كافة القوانين والأعراف الإنسانية!..

وإذا!.. بثروات بلدانهم.. تستنزف  من حكامهم.. ومن الآخرين.. يداً بيد!؟..

وهو آخـر من يـعلم.. وأوّل من يُعانى.. وأوّل من يُحاسب.. وأوّل من يُـلام!؟..

وإذا!.. بـمستوى مـعيشته فى حياته الراهنة.. التى كان يـظن انها فى مستوى "جنات عدن".. أو أو دونها بقليل!.. إذ به, يكتشف, بأنه يحيا تحت  الحضيض.. بكثير.. وذلك مقارنة مع مستويات معيشة الإنسان المعاصر الآخر!..

وإذا به يرى - بالصوت والصورة - أمـته المجيدة العتيدة.. يـحشر الآخـرون أنـفها فى الـوحل.. هكذا, وعلى الهواء مباشرة.. كل يومٍ.. تقريباً فى نشرات الأخبار.. وبسبب, وبدون سبب..

 وإذا به.. يكتشف, أن معظم أمجاده, العظيمة, جداً جداً.. والـقديمة, جداً جداً..

والتى كان يـجترها مـمنوناً.. ومـسطولاً بها على مدار الساعة..

ما هيّ, إلاّ..  أساطير, وخرافات - وطـجّ فى طـجّ - فبركها ونـمّقها شعراء وفـقهاء الرشوة والإحسان.. فى قصور مـولانا السلطان!!..

وإذا…وإذا…

وإذا.. الـنور نـذير طـالع  ..  وإذا الـفـجر مـطّل كـالـحريق  

وإذا الـدنيا كـما [ لا ] نـعرفـها؟؟

————————————————————————————

                        الإعـلام الـعربى الـرسـمي (2)

 

بـتأنّي, ورويّـة.. نستمر قى وقفتنا على الإعلام العربى.. والذى كان - بإستـثنائات قليلة جداً - طوال عمره وعمرنا!.. إعلاماً, حـكومياً, مسخراً, بتمامه وكماله.. لخدمة الحاكم..

ذلك (الكنه) ( الربّانى ) الفريد.. فى كل صفاته وبركاته, وشطحاته.. وطبوله وزمـاميره.. دون ذرة حياء.. أو خجل مـنه.. أو خجل مـنّا!..

لأن الإعلام العربى الرسمى.. فى واقع الأمر.. ليس يهمّه الإنسان العربى.. فما بالك, بمسألة حيائه.. وبقدرة قادر - .. تم باستحواذه.. على مقادير الدولة وميزانيتها.. وتحويل الإعلام إلى مؤسسة " إعلانية ".. للترويج لعظمة هذا الحاكم, العظيم, الملهم.

هذا, ما اكتـشفاه.. نحن عامة الخلق - بعد إنعتاقنا -  فى هذا العصر..

عصر المعلومة الحرة.. وبعد أن أصبح فى إمكاننا الحصول على هذه المعلومة التى تهمنا - أي معلومة تقريباً - من مصادر متعدّدة وبلا مشقة تذكر..

ودون أن نعرّض أنفسنا للتـهلكة..

من بداهة القول.. أن الحكم على الشئ.. هو فرع عن تصوره.. خصوصاً إذا  كان هذا التصور.. معايشة عملية وفعلية لتداعيات هذا الشئ.. ومن المعاناة التى تصحبه.. وما ينتج عنها من تقهقر وتـخلّف.. فى ملاحقة ركب الحضارة..

والسؤال الآن هو: كيف وصلنا الى هذا الحال؟

فنكتشف مثلاً أن السؤال كان - آنذاك- على سبيل المثال هو : أيـن ومن؟.. وكيف إذن.. أمـعجزة ما لها أنبياء؟!.. أدورة أرض بغير فـضاء؟!!.. إلى هذا الحد المؤسف!!.. تـمادى عصر التدجيل فى ديارنا.. وأكثر.. دون حياء!!

فالقصة وما فيها.. أن ورثـة  الـمقهور " غوبـلز! " فى ديار العرب وبطريقة ما.. كانو أوّل من استلم تركة "الفوهرر" فى قاهرة الـمعز!.. فقاموا بالواجب أيما قيام.. وتمام التمام يا ريّـس .. وزادت " شلة الأنس هذه " على غوبلز.. حـبتين ومعاها وشوية كمان !!..

وشلة الأنس هذه - لمن لم يعاصرها - احتوت على فطاحل كبيرة.. فى الأدب وفى الصحافة والإعلام.. فطاحل كبار, من وزن هـيكل.. ومن أخوان أمـين.. ومن السباعى وعبدالقدوس.. ومن التابعى.. ولا داعى للإضافة على ما أعتقد. 

واختير هولاء العمالقة.. مع صوت أحـمد سعـيد.. والذى هو بوقاً لا قبله ولا بعده من بوق ولا نعيق.. فكان صوت يزلزل الأرض وما عليها.. ولذا, خرّت له صاغية طائعة.. تلال الشام ووديانها.. وصحارى الجزيرة وقفارها.. وأصغت له الأنام.. من أقصى جبال أطلس إلى أعماق أدغال السودان.. بإختصار شديد.. خـرّ العباد والـجماد..  من الخليج الفارسيّ.. إلى الـمحيط الأطلسىّ..  فإذا بهم.. يترنمون كلهم بـتمتمة واحده.. قد يكون رأها.. أو,سمعها فنان أعمى!.. فانطلق, منشداً.. من ذهوله وغبطته : "الأرض بتتكلم عربى"..  وهكذا كان.. 

أصبح المذياع.. والقرطاس والقلم.. منذ ذلك العهد..  سلاحاً لا يقهر.. وهو وحده الذى سوف يـحرّر الأرض.. ويصون العرض..

سلاح ذو دمار شامل.. أو.. إغراق شامل فى البحر.. الميت أو الأبيض, لا يهم.. 

عقاباً مريراً.. لمن إحتلوا منّا أرض الرسالات والمقدسات.. 

وتوالت بعدها البطولات.. تسطر كل يوم.. فى نشيد أو مقالة أو خطاب!!..

صولات و بطولات.. ما بعدها بطولات.. فاحتـفلت أمتنا قاطبة, بإنتصاراتها وأيما إنتصارات.. واندفعت الملايين.. صوب حبيب الملايين.. وصورة, صورة, صورة..

كلنا كده عايزين  صورة!!..

لقد كانت حقاً صورة رائعة.. وإن كانت خـرافية, بطبيعة الحال.. وأصبح فى إمكان المرء أن يعيش من اثرها.. ثملاً مسطولاً.. وبالـ بلّوشى.. على رأى التعبير الشعبى.. فكل ما يحتاجه من مـنعّـسات مـسطّلات.. أصبحت بين يديه, ببلاش.. فهذه هي جريدة الأهرام.. وهذه آخرساعة!

وهذا آخر أناشيد العندليب.. وإن لم يتم تخديره.. فأوّل نشرة لـ صوت الـعرب.. تـكاد أن تكون  كافية لنقله مباشرة للجبهة الأمامية - المنتصرة طبعاً -  ومتابعة تحرير " يافا " و "حيفا" على الهواء مباشرة.. وتحررت فلسطين فى أجوائنا كل فصل من فصول السنة.. من كل سنة!!

كل هذا بالطبع قد جرى.. قبل أن تسقط القدس الشرقية!؟؟.. وقبل أن تسقط الضفة الغربية!؟.. والتى كان يظن- هذا الإنسان العربى حتى ذلك الوقت -  بأنها هاشمية أباً عن جد.. ولم يكن يعرف أنها حقاً فلسطينية.. حتى تـجرّع هزيمة 67.. وحتى تفضّل بعدها!! جلالة الملك بإرجاعها لأهلها الأصليين.. أولئك الفلسطينيون اللاجئون فى بلاده والقاطنين فى مخيمات الإغاثة فى ضيافته منذ عام 48!!.. تنازل لهم -صاحب الجلالة- .. عن ضفة جده..

بعد أن إنتزعها منه الصهاينة.. بقوّة السلاح؟! ..

كما لم نكن نعلم أيضاً - نحن عامة الناس - أو أهل الشارع كما يحب أن يسمينا البعض - أن مدينة" غزة " المصرية آنذاك!.. هى فى الواقع مدينة فلسطينية أباً عن جد , منذ الأسكندر الأكبر!؟.. الى أن سقطت هى الأخرى مع سيناء عام 67 اللعين.. لقد أكتشفنا فى ذلك العام اللعين.. بأن سيناء لم تسقط 100% فى ذلك العام كما أوحي لنا!؟.. لأن جزءاً  لا بأس به من سيناء كان محتلاً منذ عام 56 !! ولم نعلم به.. بل ولم يعلم به حتى أهل سيناء!!..

هكذا كـمّم الإعلام الرسمي.. عيون الناس.. وسمع الناس.. وحـسّ الناس.. هكذا اخذهم - وهم رهائن لا يعلمون - فى رحلة ملفقة.. الى عالم ملفق مفبرك على مقاسهم.. لا علاقة له إطلاقاً بالعالم الذى يعيشون فيه!!..

فى أرض بتتكلم عـربى.. من طقطق للسـلام عليكم.. تمّ توضيب أجهزة الإعلام والثقافة.. وتمّ تكميم الإنسان العربى.. فأصبح مخلوق أخرس.. مع بزوغ كلّ فجر جديد..

وإن كنتم لا تصدقوننى.. إقرؤا " الفجر الجديد "!!.. ..

—————————————————————————————

مـلاحظات لابد منها:

(*) من مقاطع قصيدة الأطـلال التى تغنت بها سيدة الغناء وكوكب الشرق.. والـمأخوذة أساساً من قصيدتين للشاعر المبدع الدكتور ابراهيم ناجى.. هما قصيدة "الأطـلال" وقصيدة "الـوداع".. وكما تصرف الموسيقار الكبير السنباطى والسيدة أم كلثوم.. فى قصائده تلك بعدة تعديلات.. منها على سبيل المثال لا الحصر.. ما اخترته عنواناً لهذه الرسالة.. أيـها السـاهر تـغفـو.. التى كتبها ناجى فى الواقع : أيـها الشـاعر تـغفو.. غير أننى أفضل اختيار "الست".. لأنها تتناسب مع موضوع مقالتى هذه.. والعجيب الذى خطر ببالى الآن فقط .. أنه عندما تغنت أم كلثوم بهذا المقطع " أيها الساهر" كان الإنسان العربى وقتها بالذات!.. مخدوعاً مسطولاً إلى آخر مدى.. يعيش عصراً خرافياً لا أساس له من الصحة.. عبر لسان أحمد سعيد.. وأروع الأناشيد.. فكأنها "الست".. بمصاحبة موسيقى حزينة دراماتيكية  "سنباطية" رائعة.. تقشعّر لها الأبدان.. إنما كانت تحذّر هذا الإنسان الحالم المخدوع.. لكى يصحو من سباته..

             وإذا ما الـتأم جـرح  .. جـدّ بالـتذكـار جـرح

والأعجب من ذلك كله.. أن هذا الكوبليه " أيها الساهر"  لا يزال يتلائم مع حال الإنسان العربى المعاصر لزمننا هذا.. فالساهر هنا هو الإنسان العربى الذى يسهر الليل مـتجولاً بين الفضائيات.. عساه أن يسمع خبراً يسعده.. برغم شـكه شبه القاطع فى ذلك.. إلاّ أنه مثابر.. يغفو ويصحو.. حتى يـنذره نـور الـفجر  بالـحقائق الـمرّة.. وبأن حاله… هو أتـعس مما كان يتصور.. وأن الدنيا ليست كما كان (يعتقد) أنه يـعرفها.. ولذا.. أضفت [ لا ]  فى آخر شطر بيت استعرته فى المقالة .. والذى هو فى الواقع من قصيدة " الوداع" للدكتور ابراهيم ناجـى رحمه الله.. وأعتذر كثيراً على الإطالة

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

ما زلت له مشتاق.. ( الوطن) هزّنى فرقاه مالاعماق..

وسادل وراه  اسدال ما ينطاق.. استار ياس.. ما يجدى معاه  رجا..

مع تحياتى للشاعر الكبير على الساعدى الفاخرى.. لإستعارة هذا البيت واستبدال (الوطن) بدل (اللى)..

فليغفر لى.

 



مازلت نا هو نا